كشف المركز المصري للدراسات الاقتصادية عن زيادة ملحوظة في أعداد المهاجرين داخليًا في مصر، حيث ارتفع عددهم من 4.8 مليون شخص عام 2006 إلى 8.3 مليون في آخر تعداد سكاني، ما يمثل حوالي 8% من إجمالي السكان. وتشير التقديرات إلى أن النسبة الفعلية قد تكون أعلى من ذلك بسبب الهجرة غير الرسمية والموسمية.
تغير خريطة الجذب السكاني
على الرغم من أن 63% من الهجرة تتجه نحو المدن، إلا أن غالبية التحركات السكانية تحدث لمسافات قصيرة ضمن المحافظات ذاتها. يعكس هذا التوجه رغبة المهاجرين في الحفاظ على روابطهم الاجتماعية مع السعي للحصول على فرص أفضل.
وقد أظهرت البيانات تحولاً في المحافظات الجاذبة للسكان، حيث تصدرت محافظة البحر الأحمر بنسبة 7.56% وجنوب سيناء بنسبة 4.67%، وذلك بفضل النشاط السياحي والاستثماري. كما برزت محافظتا الجيزة والقليوبية كمراكز جذب بديلة حول العاصمة.
في المقابل، أصبحت القاهرة والإسكندرية محافظات طاردة نسبيًا، إلى جانب مدن مثل السويس وبورسعيد ودمياط. ويرجع هذا التحول، بحسب المركز، إلى اختلال في توزيع عوائد التنمية، حيث لا تترجم القوة الاقتصادية بالضرورة إلى جذب سكاني مستدام.
الهجرة والرفاه: مفارقات اقتصادية
كشفت بيانات المركز المصري للدراسات الاقتصادية عن علاقة مثيرة للاهتمام بين الهجرة الداخلية ومستوى الرفاه. فالهجرة من الريف إلى الحضر تؤدي إلى تراجع في مستوى الرفاه بنسبة 2.4% تقريبًا. وعلى النقيض، تساهم الهجرة بين المدن في رفع مستوى الرفاه بنسبة 3.7%، بينما تحقق الهجرة من الحضر إلى الريف تحسنًا بنسبة 2.9%.
وأشار المركز إلى أن النساء يحققن مكاسب رفاه أعلى من الرجال جراء الهجرة، بمتوسط 3.25% مقابل 2.25% للرجال. ويعكس هذا أن الهجرة أصبحت أداة تمكين اقتصادي للنساء بشكل أكبر.
تأثير الهجرة على سوق العمل
أوضحت بيانات المركز أن معدل البطالة بين المهاجرين داخليًا يبلغ 6.2%، مقارنة بـ 9.5% لغير المهاجرين. وينخفض هذا المعدل إلى 2.6% فقط عندما تكون فرص العمل هي الدافع الأساسي للهجرة.
من ناحية أخرى، يفرض التوسع العمراني ضغطًا هيكليًا متزايدًا على سوق العمل، حيث تفقد مصر ما يقرب من 75 ألف فدان سنويًا من الأراضي الزراعية، مع كل 250 فدان يتم فقدانها، يُفقد ما يقرب من 400 فرصة عمل.
وأكد المركز أن الهجرة الداخلية في مصر لم تعد مسارًا لتراكم الثروة، بل أصبحت أقرب إلى "هجرة بقاء" تهدف إلى تلبية الاحتياجات الأساسية كالسكن والعمل والتعليم والصحة. ولم تنجح المدن الجديدة بعد في تغيير أنماط الحركة السكانية، إذ يفضل المصريون البيئات المألوفة والأسواق المعروفة.
مقترحات لتعزيز التنمية
في ضوء هذه التحولات، يقترح المركز المصري للدراسات الاقتصادية مسارين رئيسيين لمعالجة قضايا الهجرة الداخلية. أولاً، تعزيز البنية التحتية في المحافظات الطاردة للسكان، بدلاً من التركيز على التوسع في مدن جديدة. وثانيًا، توسيع مبادرات التشغيل المحلي، مثل "وظيفتك جنب بيتك"، لربط السكان بفرص العمل داخل مجتمعاتهم الأصلية.