بحسب التقارير الصحفية، وضع إعلان الولايات المتحدة عن "المرحلة الثانية" من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة المغرب عند مفترق طرق استراتيجي حاسم.
وتشير التقييمات الرسمية في واشنطن إلى أن الرباط، إلى جانب إندونيسيا، من أبرز المرشحين لقيادة "قوة الاستقرار الدولية" في قطاع غزة. ويُغيّر هذا التطور دور المغرب، إذ ينقله من الدعم الدبلوماسي والإنساني التقليدي إلى المشاركة المباشرة في الترتيبات الأمنية لما بعد الحرب. ويتعزز هذا التوجه بتزايد التنسيق العسكري مع الولايات المتحدة وإسرائيل، مما يسمح للمغرب بتجاوز وظائفه الإقليمية المعتادة ليصبح مشاركاً فاعلاً في واحدة من أكثر القضايا الأمنية تعقيداً على الساحة الدولية.
قوات حفظ الأمن في غزة .. الانتقال من هدنة هشة إلى حوكمة أمنية
يمثل إعلان ستيف ويتكوف، المبعوث الأمريكي الخاص للشرق الأوسط، عن بدء "المرحلة الثانية" نقطة تحول في الصراع المستمر منذ عامين. ووفقًا للرؤية الأمريكية، كما كشفت تقارير موقع أكسيوس ومسؤولون في البيت الأبيض، فإن الهدف الرئيسي لهذه المرحلة هو منع الانهيار التام لوقف إطلاق النار الهش الذي تم التوصل إليه في أكتوبر/تشرين الأول 2015.
وتتجاوز رؤية واشنطن مجرد وقف إطلاق نار تكتيكي، إذ تسعى إلى فرض واقع إداري وأمني جديد قائم على ثلاثة محاور: تشكيل حكومة فلسطينية تكنوقراطية، والانسحاب التدريجي للجيش الإسرائيلي من المراكز السكانية، ونشر قوة دولية لتحقيق الاستقرار وفقًا لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2803.
دور المغرب في معادلة حفظ السلام بغزة
هنا يكمن الدور المحوري للمغرب في المعادلة التي تجمع بين القوة الناعمة والقوة الصلبة. لم يكن اختيار واشنطن للمغرب وإندونيسيا لقيادة هذه القوة عشوائيًا؛ فكلا البلدين يتمتع بنفوذ كبير في العالم الإسلامي، مما يضفي على القوة شرعية أخلاقية وعربية إسلامية تفتقر إليها القوى الغربية المحتملة.
في الوقت نفسه، يحافظ المغرب، على وجه الخصوص، على علاقات دبلوماسية وأمنية متينة مع إسرائيل والولايات المتحدة، مما يجعله شريكًا مقبولًا للجهاز الأمني الإسرائيلي، الذي يتطلب قوة موثوقة لملء الفراغ الأمني الذي سينجم عن انسحابه.
ما وراء اجتماع تل أبيب
بحسب التقارير، لم يكن الاجتماع الثالث للجنة العسكرية المشتركة بين القوات المسلحة الملكية المغربية والجيش الإسرائيلي لقاءً روتينياً، بل كان بمثابة نقلة نوعية في فلسفة التعاون بين الجانبين.
ويمثل توقيع "خطة العمل المشتركة 2026" تحولاً من علاقة تبادلية (أي شراء طائرات مسيرة وأنظمة دفاع جوي ومدفعية) إلى علاقة مؤسسية قائمة على التخطيط الاستراتيجي المشترك وتطوير القدرات. وتشير التقارير إلى أن المحادثات ركزت على دمج العقائد القتالية، وتبادل الخبرات المتخصصة في حرب المدن، ومكافحة التهديدات غير التقليدية، وهي تحديداً المهارات اللازمة لأي قوة تعمل في بيئة معقدة كقطاع غزة.
وتنظر إسرائيل، التي تعتبر المغرب الآن حليفها الأمني الأهم في أفريقيا وبوابة استراتيجية لها، إلى الوجود العسكري المغربي في غزة كضمانة للأمن، نظراً لمستوى التنسيق العالي بين هيئات الأركان العامة وأجهزة الاستخبارات في كلا البلدين. يخفف هذا التنسيق من مخاوف إسرائيل المعتادة بشأن القوات الدولية، حيث أن تل أبيب لديها قنوات اتصال مباشرة وفعالة مع القيادة العسكرية المغربية، والتي تم تعزيزها من خلال خمس سنوات من بناء الثقة منذ توقيع اتفاقيات أبراهام.
مناورات “الأسد الأفريقي”
يستند هذا إلى تدريبات سابقة أُجريت خلال مناورات "الأسد الأفريقي" التي نظمتها المغرب مطلع عام 2025. وشملت هذه المناورات تدريبات مشتركة على القتال في المناطق الحضرية وتطهير الأنفاق بين جنود من لواء جولاني التابع للجيش الإسرائيلي وقوة مغربية مشتركة مؤلفة من قوات خاصة تابعة للجيش و"مجموعات الأمن والتدخل" التابعة للدرك الملكي.
ويمكن لهذه المجموعات الأخيرة أيضاً المشاركة في القوة المغربية في غزة، باعتبار أن الدرك الملكي يُمثل الشرطة العسكرية ضمن القوات المسلحة الملكية.